ابن بسام
568
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
وبتنا بليلة لم أجد للدهر غيرها ، ولم أحمد إلّا طيرها ، ولما كان الغلس تركني مزمعا ، وانفصل عني مودّعا ، فلما حلّ بموضعه كتب إليّ ) : أستكمل اللّه تعالى ( لمثنى الوزارة ) سعادة ، وأستوصله من سموها عادة ، كيف لا أراقب مراقي النجوم ، وأطالب مآقي العيون / بالسجوم ، وقد أنذر بالفراق منذر ، وحذر من لحاق البين محذر ، ويا ليت ليلنا غير محجوب ، وشمسنا لا تطلع ( بعد وجوب ) فلا نروّع بانصداع ، ولا نفجع بوداع . وكتب إليّ : ومن لا عدمت من أمره إنصافا ، ومن بره إسعافا ، ودنا كالسراب بعده أنس ، وقربه يأس ، وعهدنا كالشباب حظه مبخوس ، وفقده تتوجع منه النفوس ، فنحن نقنع بالسؤال ، ونتمتع بالخيال ، ونلتقي على النأي تمثلا ، ولا نبتغي في الجد تأملا وما كذا ألفت الحميم ، ولا على هذا خلفت الرأي الكريم ، ولا أدري [ 205 ب ] لعل للأقطار خواص تغيره ، وللأحرار أخلاق تسيره ، وحبذا فعل الصديق كيف تقلب ، ومذهبه حيث ذهب ، وأكرم بقدره ما أنجب ، وبذكره ما أطيب وأعذب ، لا زلت أمتع ببقائه ، ولا أمنع من لقائه . وكتب إلى الرئيس أبي عبد الرّحمن ( بن طاهر ) : لا أشتكي من الليل طولا ، ولا أذم جنحه موصولا ، وقد زادت بي حال صباحه ، وكافحني أشد من كفاحه ، ووصلت البارحة على حين هجع السمير ، وامتنع إلى حضرة المجد المسير ، وفي يومنا للرجاء امتداد ، وللوفاء ميعاد ، ولديّ شوق يطير بي إليه مطارا ، ولا يوجد دونه استقرارا ، فسكّنت من لاعجه قليلا ، وبردت من برحائه غليلا ، وعمرت في مبادرة الحق ومواصلة البر سبيلا ، إن شاء اللّه ، واللّه تعالى يعيد إلى أفقنا حسن ضيائه ، ويعينني في المنعم على قضائه . وكتب وقد أهدي وردا [ 1 ] : زارنا الورد بأنفاسك ، وسقانا مدامة الأنس من كاسك ، وأعاد لنا معاهد الأنس جديدة ، وزفّ إلينا من بنات البر [ 2 ] خريدة ، فاحمرّ حتى خلته شفقا ، وابيض حتى أبصرته [ 3 ] من النور فلقا ، وأرج حتى كأن المسك من [ 4 ] ذكائه ، وتضاعف حتى قلت الورد من حيائه ، فليتصور شكري في مرآه [ 5 ] ، وليتخيل
--> [ 1 ] العطاء الجزيل : 100 ، والمسالك 13 : 20 . [ 2 ] العطاء : فتيات النور . [ 3 ] العطاء : أبصرت . [ 4 ] العطاء : في . [ 5 ] العطاء : رؤاه .